في يوم قد أحاطه الظلام من كل مكان والليل أسدل أستاره داعياً الناس للنوم في سبات عميق والقمر فيه محاق والليل طويل والصمت ساد حيناً والسرير ناداني وقال: ألم تشتق الي أيها الفتى اليافع الطول العريض المنكبين ذو الوجه المشرق والعين الآملة ألم تشتق إلى أحضاني لتنعم بنوم طويل ؛ فما لبثت الا أن ارتميت على السرير وغبت في سبات عميق... وما بي الا وأنا وسط ضجة وضرب وصراخ وكر وفر وقنابل تدوي من حولي وأشلاء البشر منتشرة وكأنها ذرات تراب من حولي والناس تعوي في ذل والظلم أحاط بكل مكان ؛ فقمت من نومي سريعاً فلم أجد نفسي على سريري ووجدت نفسي ملقى على الأرض وملابسي مبلله وكأني في بركة من الدم الأحمر الطاهر النقي؛ فقمت من مكاني مسرعاً وجريت وركضت حتى تعبت فتحاملت حتى وصلت الى مدخل أحد الشوارع فجريت فيه فإذ بيد تجذبني وتدخلني أحد المنازل والبيوت.. الجو مظلم من حولي؛ أين الذي جذبني الى هذا البيت؟.... لا أرى شيئاً من حولي.. ألتفت يميناً ويساراً أبحث عن شئ يطفئ سؤالي... لم أجد... المكان كحل ممتزج بسواد ليل وذل وقت لم يمر من قبل.... وفجأة ... ما هذا الذي يحدث؟؟؟ يشتعل المكان أنواراً وأضواءاً وإذ بخيول تتحرك أمامي تكر وتفر وإذ بقوم يحملون راية لا اله الا الله محمد رسول الله يهجمون ولا يترددون... يحاربون بسيوفهم ولا ينتظرون يرددون بصوت عال: الله أكبر ؛ تحركت وسط المعركة؛ لم يصبني أي ضر أو حتى نفع؛ أتحرك بين الحرب والخيول سعيداً بما يحققه قوم لا اله الا الله من انتصار كبير ومشيت حتى دهشت... فلم أجد نفسي وسط المعركة.. أين هؤلاء القوم... المكان مظلم من جديد والصمت قاتل كالمعتاد ولكن أشعر وكأن دوامة من العمر تمر بي في وقت قصير... وكأني أتحرك من زمني الى زمن آخر لا أعلم عنه أي شئ.. مجرد احساس... نعم .. انه احساس... مجرد احساس... وها أنا أتسائل : هل يصدق الاحساس؟... وفجأة... أحسست بتغير غريب وعجيب... المكان اشتعل من جديد... بالفرحة أضاء من جديد.... ما هذا الذي أمامي؟.... قوم يكبرون من جديد... ليسوا كالذين رأيتهم من قبل...إنهم يرتدون زي الجيوش الحديث ويحملون من الأسلحة ما ليس بالقديم وما ليس بالحديث... يكبرون.. ويقتلون كل ما يرونه أمامهم من أعداء....يعبرون نهراً ..أو قناةً من المياه... ليست بالغريبة علي... واذ بقوم يصعدون جبل عالٍ ؛ لا أعرف ان كان جبلاً أم سداً منيع؟؟.... انه من الرمال والتراب وحتى الصخور.... واذا بأحدهم بالمقدمة يحمل أحد الأعلام... ان هذا العلم أعرفه... ليس بالعلم الذي رأيته في المرة السابقة...ولكني أعرفه.. لقد نصبه على قمة السد المنيع ... هاتفاً بأعلى صوت له الله أكبر... داخلاً في جسده أكبر كمية من رصاص عرفها التاريخ... حامداً ربه بالشهادة والنصر المبين... إن ذلك العلم أعرفه... إنه علم مصر ؛مرفوع على أرض مصر؛ وليس على تلك الأرض أي مستحيل... ووجدت نفسي أسير فرحاً وفي سعادة المنتصرين... ولكن!!.. وجدت نفسي بين أحضان البحيرة .. أو القناة... ليس من المهم ما هي ولكن!!... ها أنا ذا سقطت فيها بدون قصد....لا أستطيع السباحة... سقطت وغطست ولم أخرج منها وربما غرقت... ولكن هل توفيت؟؟؟ ... ماذا أرى أمامي؟؟؟... لقد عدت من جديد الى أرض فلسطين .. قدم في فلسطين... وأخرى في أفغانستان.... وذراع في كشمير ... وأخرى في الشيشان... ونظري ينساب باتجاه العراق.... وعيناي تمتلآن من دماء الشهداء والأطفال.... وقلبي ينعصر دماً على بلاد الضاد... وإذ بي أغيب عن الوعي... ماذا أرى أمامي؟؟.... إنها سيدة... إنها سيدة حزينة دامعة.. باكية....شاب رأسها وذبلت عيناها ووهن جسدها وانعصر قلبها..وارتدت زي السواد الحزين.. عليه ذرات التراب... ويتخلله قطرات الدماء....وتحمل طفلاً على يديها تسيل منه الدماء....اقتربت منها.. حدثتها... حدثتني...سألتها .. أجابتني.... واسيتها... فاختفت عني....
No comments:
Post a Comment